الخميس، يونيو 09، 2011

فضيلة الشيخ العلامة المغفور له محمودا ولد إياه

لحمد لله الذي فضل العلماء بالعلم وجعلهم ورثة الأنبياء فمن أخذ بهذا العلم فقد أخذ بحظ وافر من إرث الأنبياء، وكفى العلماء نبلا أن اصطفاهم الله في القرآن الكريم. قال تعالى: " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكروا أولو الألباب "؛ وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقبض هذا العلم انقباضا ولكن يقبض بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا و أضلوا". ولما كانت الكتابة عن سير العلماء ليست من محدثات الأمور فقد كتب بعض علماء السلف عن البعض، فكتب ابن القيم كتاب: "أعلام الموفقين عن رب العالمين"، وجاء في مجلدات ضخام، كما كتب الأستاذ أبو غده
المعاصر كتابه: "صفحات من صبر العلماء"، حيث ترجم لكل جماعة بدء من الأئمة الأربعة حتى دولة الأمويين. واقتداء بهم في هذا المنوال ومشاركة في طلب العلم ونشره ولتكون سيرهم سنة يقتدي بها من بعدهم من الخلف، تنزلت مشاركتي هذه لأكتب نزولا عند رغبة أحد طلاب العلم عن شيخي الذي رباني برعايته وحنانه، والذي ترك بصمة في تاريخ المقاطعة، فضيلة الشيخ محمودا ولد أحمدو ولد إياه. مولده ونشأته: هو محمودا بن أحمدو بن إياه اليدمسي، وأمه فاطمة بنت أحمدو بن المنجي، ولد سنة 1356 هـ قرب " أنياركن "، على بعد 35 كلم شمال المذرذرة، تركه والده العلامة أحمدو بن إياه وهو لم يتجاوز ربيعه الخامس، فعاش في كنف اليتم وفي أحضان والدته، حيث كانت حريصة على طلبه للعلم، فبدأ مشواره التعليمي وعلى غرار سلفه بدراسة القرآن الكريم على عمته القارئة آمنة منت إياه الحاصلة على إجازة في مقرأ الإمام نافع من طرف شيخها العلامة محمد فاضل ولد عبد الله ولد أمباريكي، ثم أكمل القرآن على شيخه القارئ محمدو ولد أحمد، وبعد بلوغه 16 من عمره ارتحل إلى شيخه المختار ولد المحبوبي حيث درس عليه مبادئ الفقه والنحو لينتقل بعد ذلك إلى شيخه فضيلة الشيخ أحمدو بن فتى الشقروي، حيث درس عليه ردحا من الزمن وذلك قبل أن يولي وجهه شطر محظرة الشيخ أحمدو ولد محمذ فال الحسني، الذي أقام معه 10 سنوات ينهل من معينه السلسبيل في العلم و الأخلاق والورع ليتوسم علامة التدريس بعد تصديره إياه سنة 1970 م؛ ليكون بذلك من جملة الدفعة الثانية التي تخرجت من هذه المحظرة العريقة. وكان محمودا رحمه الله يضبط ما نقله عن شيخه بالسند إلى شيخ شيخه فضيلة الشيخ يحظيه ولد عبد الودود الملقب " أباه". وفي سنة 1970 م، قدم إلى مقاطعة المذرذرة مزاولا للتجارة ووجهة لطلاب العلم القادمين من كل صوب وحدب، إذ لم تشغله مشاغله عن التدريس، وقدمه الإمام أحمد سالم ولد بيباه لإمامة الخمس في الجامع العتيق. وقد أرسل إليه أحد زملاءه وهو أحمد ولد محمد أحمد أبياتا منوها بهذا التقديم: مني سلام على النحرير محمود صنو المكارم و الأخلاق والجود قد رتبوك إماما للصلاة أصا بوا في الذي فعلوا وفقا لمقصود لازلت لازلت في خير وفي نعم تحيي العلوم لأبناء الأماجيد بجاه خير الورى والتابعين له شفيع جمع البرايا ذي المحاميد وفي مطلع سنة 1975 سافر إلى دولة السنغال المجاورة لمزاولة التجارة إلى جانب التدريس، حيث توافد عليه مختلف طلاب العلم ومن أول الذين درسوا عليه بداية إقامته في السنغال تلميذه المقرب الأستاذ محمد سالم ولد محمد عبد الله، والأستاذ أحمدو ولد محمدكم، وغيرهم كثر؛ ليؤوب في عطلته السنوية إلى أرض الوطن، ليتوافد عليه طلاب العلم في عطلتهم الصيفية لينهلوا من مختلف العلوم الشرعية واللغوية. و من أقدم طلابه و أشهرهم إبان هذه العطل: - الأستاذ محمد مختار ولد عبيدي، والأستاذ باباه ولد الحافظ البزيديين، والأستاذ محمد ولد الفاللي، والأستاذ الخديم ولد محمد عبد الله الديمانيين، وفضيلة الشيخ أحمدو بمب ابن محنض، و القارئ الشيخ أحمد ولد محمد فال، وغيرهم كثر. وفي بداية سنة 1989 وقبل الأحداث بين موريتانيا والسنغال تنقل إلى مقاطعة المذرذرة ومارس نشاطه التجاري وأسس محظرته الشهيرة إلى جانب إمامة مسجد الثانوية كما يسمى، والذي يعتبر من واضعي حجر أساسه. تبدأ جلسات التدريس بعد صلاة الصبح في مسجد الثانوية حتى بعد طلوع الشمس حينها ينتقل إلى المدينة لمزاولة نشاطه التجاري وإمامة صلاتي الظهر والعصر في الجامع العتيق بوصفه نائبا للإمام، ويستأنف الدرس المسائي بعد العصر في مسجد الثانوية حتى صلاة العشاء، أما في الفترة الأخيرة ورغبة في عموم الفائدة وبسبب مشاغله الجمة نقل الدرس المسائي إلى أمام دكانه في الشارع الكبير. كانت المحظرة تنقسم إلى قسمين: فرع للأصول والفقه وعلوم الشريعة، وفرع للقرآن وعلومه، و ممن أخذ عنه القرآن طلابا من أمثال: الأستاذ محمد سالم ولد المختار السالم، والأستاذ ألمين ولد المختار ولد ألمين. كل هذا غيض من فيض عطاء هذا الشيخ رحمه الله. وقد أهديت لهذه المحظرة مكتبة ثرية من طرف مكتبة العرفان الوقفية الشهيرة بواسطة من تلميذه الشيخ القارئ أحمد ولد محمد فال اليدمسي، ومن أشهر الكتب الموجودة في رفوف هذه المكتبة: في علم التفسير: فتح القدير، للإمام الشوكاني،4 مجلدات تفسير القرطبي للإمام القرطبي،8 مجلدات في علوم الفقه: الدسوقي على شرح خليل، للدسوقي، 4 مجلدات في علوم الحديث: فتح الباري على صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، 14 مجلدا. وظل هذا الشيخ رحمه الله مشتغلا بهذا وذاك إلى آن وافاه الأجل المحتوم يوم 5 جمادى الأولى 1418هـ، بعد طلوع الشمس بدقائق، عن عمر يناهز63 سنة هجرية، وعزاؤنا قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"، وهو ما نرجوا من الله أن يوفق له طلاب هذا الشيخ ليستمر العطاء العلمي في هذه المنطقة التي فقدت بعد الشيخ جلساتها العلمية التي تمثل ثقافتها. وبأفول هذا النجم الساطع تفجع مقاطعة المذرذرة بصورة خاصة وموريتانيا بصورة عامة؛ ولله در القائل: لئن كثرت فيك المراثي وذكرها فقد كثرت من قبل فيك المدائح المذرذرة بتاريخ: 17/04/2011 كتبه تلميذه وملازمه العبد الفقير إلى ربه محمدن ابن محمدو عبد الرحمن الملقب أحمدو