الخميس، سبتمبر 22، 2011

أيام في الريف الموريتاني (الحلقة الأولى)

أخيرا قررت أن أحزم سفْرتي وأنيخ بعيري وأشد رحلي وأعبر هذه الصحاري القاحلة التي ألفتُها وتعشقتها ، وترحلت فيها شرقا وغربا منذ نعومة أظافري.
اليوم عزمت أن أخوض بحور الرمال التي تمتد وتمتد حتى تصل إلى "شمامه" فـ"بحر السنغال"  وعزمت من الآن ـ ولن أتردد بإذن الله ـ  أن أسير في القيظ كما يسير البداة ، وأتتبع الركبان و "العزبان" أسائلهم عن إبل أصهاري التي  تاهت منذ سنين في هذه البيداء، غير أن الأمل يرافقني  خاصة عندما أتذكر حكمة بدوية مفادها أن  "العِـيس سيعثر عليها ولو بعد حين، وتحن إلى صاحبها كما يحن إليها"  وأذكر أن على ناقة الأصهار وسام يميزها عن باقي الإبل وهو (لا ا ا .) على الرجل اليسرى و (د) في أعلى الرقبة، كما أن في العيس جمل أبتر سأميزه لا محالة عند أول نظرة.
وقبل السفر سأملي شكوتي الجلدية بالماء البارد، وسأجعل في سفرتي ما تسير من زاد المسافر الصحراوي: سفرة جليدة مخصصة للشاي الورقي "اشْكاره" و"ساقان" من السكر الحجري القادم من بلاد "جنوب البحر" السنغال، ومدّان من الدخن "بشْنةِ شمامه" وبريق معدني "برّاد مشَكّر" و"كأس من الزجاج" وعلبة من أعواد الثقاب عليها صورة راكب موريتاني.

سأنطلق هذا الزوال وبالتحديد بعد أن ترمض الفصلان، ويصير ظل بعيري نصف قامته تقريبا، وسأعبر  من منطقة "العْقْل" التابعة لمقاطعة بتلميت جنوب موريتانيا، باتجاه سهل شمامه الواسع المحاذي لضفة النهر الشمالية، وفي طريقي سأمر بمنطقة "آدْكورْ".
وفي هذه المسافة سوف أعيش مع بعيري أيام الهجير وأنواء العصر، وليالي الخريف الممطرة، وفي طريقي سأتسلى  بحُداء أحدوه على وقع سير الجمل ورقصاته الهادئة، فأنا المغني، وهو الراقص.
سأواصل ليالي بأيامي حتى  أصل سهل "آفطوط" وهنالك ـ كما يحدثني الركبان ـ تبدأ قصة أخرى فصحراء "آفطوط" هي صحراء جرداء يتيه فيها الراكب ويضل فيها الخرِّيت ولا بد من السير فيها ليلا حتى أهتدي بالنجوم السماوية والمطالع الليلية، وفي النهار أقيم في تلك السهول أستظل بشجر الدوم المتناثر، وأقيد بعيري ثم أقيل وأقيم الشاي بعد أن أشبع من الدخن..
وهكذا سأواصل رحلتي حتى أصل إلى ملاعب صباي، وأطلالي ومعاهدي  الدرّس بين "شمامه" و"العقل"  وهنالك سأتحدث عن أيام عشتها في البدو الموريتاني قبل أن تقودني رحلة البحث عن إبل  الأصهار إلى أطلال


اعداد الصحفي المتميز المختار ولد بابتح