الحاد، أما القمر بنوره الجميل أصلا فقد اختفى في غيوم وكآبة ، أشعة الضحى صارت تحرق كل من قابلها، عفوا!! الشمس لم تعد موجودا النهار اختفى دخلنا في ليل سرمدي إلى الأبد، لا فرق عندي بين ساعات ما يعرف بالفجر وساعات السحر المعتمة ، الحياة كلها ظلام في ظلام ، والكون يسبح في ظلام لا نهاية له ..
أنا في عالم غريب حقا.. عالم يتحكم فيه شرار الأقزام ، يحكمنا من نعرفهم منظفي القمامات والكنف، عالم لم تعد فيه دولة على الإطلاق ولم يعد فيه نظام، ولا أمل أبدا في تحقيق عدالة يتساوى فيها ما تبقى من بؤساء البشر، لم تعد فيه بقية راتب العامل تتجاوز اليوم الأول من استلامه ويتم دفعه في أصحاب الديون الكثيرة الذين يتربصون بنا الدوائر ويهددوننا بالسجن في كل لحظة، أنا في عالم قد فتحت فيه السجون أبوابها، وكثر زوار المستشفيات وعجت بالمرضى الذين لا يجدون من يداووهم بعد هروب الأطباء تحت إكراه ظروف الحياة وتحول معظمهم إلى باعة للماء على ظهور الدواب..ما لنا نرى الناس يموتون يوميا بالمئات بل بالآلاف ولا نرى الحياة تنتج أطفالا بُرآء، وأجيالا جدد علها تزيل الغبار عن الكون، وما لنا لا نرى أقواما يبتسمون فيعيدون إلينا ما كان الناس يتحدثون عنه من مرح، ويحكون عن أقوام عاشوا هنا ذات تاريخ لن يعود، تاريخ كانت الحياة تبتسم بحمائمها ونسائمها ورياضها الخضر، حدثونا ـ وأظنهم كاذبين ـ أن على هذه الأرض كانت الموسيقى الجميلة، وعلى هذه الأرض ابتسم الحسناوات "دعد" و"هند" و"ليلى" ونفس هذه الحياة قد أنتجت فتيات هيجن قرائح ما يسمى بشعراء الرومانسية، وابتسمن وتمايلن، وقالوا إن في هذه الحياة عاشت فتاة جميلة في منتصف عمرها تبتسم بثناياها الجميلة وشعرها الأسود الطويل وعيناها الحوراوان، هكذا حدثونا وما أخالهم صادقين، لقد رحلوا عن دنيانا ولن يعودوا أبدا، أفتح قاموسا فأقرأ كلمات شديدة التعقيد ولا أحد يفك اللغز مصطلحات من قبيل "ابتسم" "المرح" "النسيم" "الندى" "هديل الحمام" "الأمطار" "الزهور" عجزت عن فهم هذه الكلمات نعم أنا عاجز وحق لي أن أعجز عن عبارات لا يوجد لها اشتقاق في لغتنا الجميلة في الماضي.
أفتح عن تلفزيون الجيران المنكوبين الذين فقدوا معظم أحبائهم وجروحهم لا تزال غائرة، ووجوهم عابسة بائسة، أفتح التلفاز فأسمح عناوين الأخبار بتقطع شديد في الجهاز المعطل في أغلب الأحيان، ترى ما هي العناوين؟ عناوين الأخبار المتقطعة كانت على النحو التالي:
"ملايين الجياع في الصومال يواجهون الموت المحتوم"
"الأمم المتحدة تنذر بكارثة في جميع أنحاء العالم بسبب الانحباس الحراري وجفوف الأرض من المياه"
"خبراء دوليون يتوقعون أن القرن القادم هو قرن حروب وصراعات"
لا بد من إغلاق الجهاز، بل لا بد من تكسيره لماذا يبقى الجهاز، لا بد من تكسير كل أجهزة الجيران الغاضبين، أنا سأخذ سكيني أدخلها في خاصرة كل من قابلني، أنا سأحرق منزل جيراني الآن لا بد من الاحتجاج على هذا الواقع المرير، من هؤلاء الجيران .
ترى هل أنا إنسان حر يتأمل أم حيوان يبحث عن لقمة عيش يمدد بها عمره؟ أم أسد مفترس يقطع الطريق؟ لماذا أعيش في هذه الدنيا البائسة التي تغلق علي أبوابها كل يوم، ففي كل يوم أرى الوجوه تسودّ وتسودّ آذنة بقدوم يوم وليل من ليالي هذه الدنيا البائسة، وأرى الحياة تزداد ظلاما، وأرى الليل السرمدي يطول ويطول.؟ إلى متى يعود إلينا الفجر؟ إلى متى تعود الحياة إلى طبيعتها إلى متى نتنفس الصعداء ونشم الزهور ونتفرج على الطبيعة مع نسمات الفجر؟ إلى متى إلى متى؟
المختار ولد بابتح كاتب صحفي